إن ضرورة المضمون الاخلاقي في أية حركة سياسية لا تعني اصطناع نماذج خلقية لا جذور لها في المجتمعات التي تعيش فيها . تلك مثالية عقيمة . ولكن تعني أن تكون شاملة لقضايا الانسان تأكيدا لأصالتها ، وصدق تعبيرها عن ضرورات الحياة التي تتصدى لتطويرها . وقد تكفلت الممارسة الطويلة للحياة المشتركة ، وتفاعل الناس في كل مجتمع بإرساء قواعد السلوك السوي والسلوك المنحرف . واستمدت الشعوب القيم الخلقية السائدة فيها من التجارب التي صقلتها حتى انقلبت الى حقائق في وجدان المجتمع تصلح للحكم دون تقصي علة الادانة . ففي كل مجتمع حصيلة غنية من القيم التي كانت وليدة تاريخه الخاص . ومهما بعدت المبررات الاجتماعية التاريخية للقيم الخلقية ، فإن تلك القيم حقائق كافية تظهر عند أي استفزاز سلوكي ، فتدينه الجماهير طبقا لمقاييسها السائدة . وتكون هذه الحصيلة من القيم عنصرا هاما من عناصر ظروف كل أمة ، فيه اصدق الدلالات على إمكانيات تطويرها واتجاه هذا التطوير . لهذا يكون عبثا أن تحاول أية حركة سياسية الاسهام في تحقيق مصير أمة متجاهلة خصائصها الخلقية ، غير مقومة تلك الخصائص ، وغير معدة لمستقبلها قيمه الخلقية ، وغير مبررة كل هذا على هدى نظرية علمية صلبة . ذلك أن المقاييس المستمدة من الماضي قد تصلح للحكم على مثل ما كان موضع تجربة ماضية ، إلا أن الحياة تطرح في كل يوم جديداً . وتحتاج في كل يوم الى تقييم أنواع من السلوك لم يكن لها مقابل فيما مضى . ولا شك في أن التاريخ الطويل الذي قضته الأمة العربية في ظل الدين الذي تكونت به أمة ، ثم صنعت الحياة على هدى القيم التي أرساها ، قد وفر بها حصيلة بالغة الخصوبة والسمو معا يمكن أن تسمى أخلاقا اسلامية . ولا يزال العربي يتميز بالعزة والصدق والشجاعة والمروءة والكرم … الخ ، مميزات لم تأته من البداوة الضارية ولكن من حياة الأخوة في ظل الثقافة الاسلامية . غير أن السمة الانسانية العامة للقيم الخلقية الاسلامية تركت الفرصة للمغرضين من أدعياء الدين ، الجاهلين به ، لكي يتلمسوا من تاريخ المسلمين ما يثبتون به قيم التخلف والهزيمة . يعارضون بحصيلة الانحطاط في بعض مراحل التاريخ أسمى القيم الخلقية كافة ، بحجة أن المنحطين كانوا حينئذ مسلمين . لهذا لابد من ارساء القيم الخلقية على أساس علمي ، فإن صح المنهج الذي يرسيها فلا بد أن يتفق مع الحق مما ينسب الى الدين ؛ لأن جدل الانسان لا ينقض الاديان ، ولكن يفسر بالمنهج العلمي في زمان معين ما يخص زمانه ، قدرا مما جاءت به الاديان لكل زمان .وسيلة الطليعة العربية الى تحديد الاساس العلمي لنظريتهما في الاخلاق لابد أن يكون ذات المنهج الذي يحكمها حركة ووعيا ونضالا . واستيعاب ذلك المنهج والاحاطة بابعاده يضع في ايدي الطليعة العربية مقياسا دقيقا لاستواء السلوك الخلقي أو انحرافه . لهذا تركز الطليعة العربية على نضج الوعي العقائدي والالتزام الديموقراطي لتثبيت القيم الخلقية واستواء السلوك المعبر عنها . وهكذا لا تعرف الطليعة العربية الفصل بين القيم الخلقية وبين اهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ولا يمكن أن تقلل من دلالة الانحراف الخلقي على الانحراف العقائدي والنضالي معاً ، وشعارها في هذا أن الانسان المفرغ من القيم الخلقية لا يمكن أن يكون واعيا أو مناضلا أو تقدميا .وجدل الانسان يزود الطليعة بمقياس التقييم الخلقي . معنى هذا انها تستطيع على هديه تحديد القيمة الخلقية لأي نمط من السلوك مهما كان مضمونه . وانماط السلوك لا حصر لها ؛ لهذا يكفي عرض بعض المفاهيم الخلقية التي يمكن أن يؤدي اليها استيعاب جدل الانسان .ان الاجابة عن السؤال الأول : ما الفضيلة وما الرذيلة ؟ ما الخير وما الشر ؟ يقدم جدل الانسان اجابة غير مشوبة بالمعاني المجردة التي تصاغ لتأييد مواقف سابقة . فإذ يحدد جدل الانسان الحركة الجدلية التي يتم خلالها التطور تكون الاجابة على الفور . إن كل ما يسهم في التطور ويساعده فضيلة ، وكل ما يقف في سبيل التطور ويعرقله رذيلة . وبذلك يكون للفضيلة وللرذيلة أساس علمي فلا تختلطان ؛ فهما قيمتان مرتبطتان بحركة المجتمع نفسه . ولما كانت حركة المجتمع تتم على أسس علمية ، وكان تحليل الحركة ذاتها يكشف عن ترتيب خاص ، فإن الانضباط المحكم لحركة التطور هو ذاته الذي يضبط تقييم الفضيلة والرذيلة ، دون أن يترك ثغرة للمثالية العقيمة . هذا الارتباط بين الفضيلة والرذيلة وبين حركة التطور يحدد ابعاد الفضيلة والرذيلة أيضا .فإذا كان التطور اندفاعا من الماضي الى المستقبل يخلف وراءه في كل وقت ما يفقد قيمته ، فما يكون جديدا يصبح ماضيا ليخرج منه جديد ، فإن مؤدى هذا أن قيمة مضمون التطور مرتبطة بالزمان الذي يقتضيها ، والزمان الذي تتم فيه ، وأنها قيمة نسبية في الزمان . ومن هنا لايصح ما يقال له الخير المطلق أو الشر المطلق . إن أسمى الفضائل في عصر من العصور قد تكون أحط الرذائل في عصر غيره ، لأن الفضيلة والرذيلة ، إذ هما مرتبطتان بالتطور ، لا يمكن أن تتخطياه . فكما أن حاجة المجتمعات متغيرة ، فإن القيم المعبرة عنها متغيرة معها . لا يقدح في هذا اختلاف مدى التغيير وامكان ادراكه . فإن كانت بعض الفضائل تبدو كما لو أنها مطلقة لأن الادراك لم يتصل بالماضي الذي سبقها ، ولم يتصل بالمستقبل الذي يتخطاها ، فليس معنى هذا انها خالدة أو مطلقة ، ولكن معناه ، أنه على مدى الادراك في زمان معين ، تبدو تلك الفضائل متفقة مع ضرورات الحياة التي يحيط بها الادراك ، لا أكثر من هذا .كل شيء نسبي في الزمان حتى الفضيلة والرذيلة . غير أنه منذ أن وجد الانسان وجدت معه قيم متصلة به كإنسان ، فهي وإن كانت عامة ، إلا أنها ليست مفهوما مجردا ، أو فكرة مطلقة ، بل قيمة انسانية لا تنسب مثلا الى الحيوان ولو كان الحيوان قد سبق الانسان وجوداً . وسنلتقي فيما يرد من حديث ببعض من هذه القيم التي استمدت سمة الفضيلة فيها من أنها للانسان وحده وأنها بعض انسانيته .أول أثر لهذا أن الفضائل التي تتصل بالإنسان كإنسان فضائل عامة لا يحدها مكان . وفيما بعد هذا تتحدد نقطة انطلاق كل مجتمع من ظروفه ، وتطبع الظروف المشكلات التي تطرحها بطابعها ، وتقدم امكانيات الحلول الخاصة بها ، ليستطيع الانسان الذي يعيش في تلك الظروف أن يحقق مستقبلا خاصا به . ومعنى هذا أن مضمون التطور يختلف من مجتمع الى مجتمع في المكان ، وتختلف معه القيم المعبرة عنه . صحيح أن هذا التخصيص غير دائم ، لأن المجتمعات الانسانية مندفعة الى تخطي حواجز التخلف بينها ، ولكن الى أن يستوي التطور على درجة إنسانية واحدة ، تبقى لكل مجتمع مشكلاته الخاصة ، وفضائله الخاصة ، ويمكن هنا القول بأن الفضيلة والرذيلة ليستا مطلقتين في المكان كما أنهما ليستا مطلقتين في الزمان . لكل مجتمع فضائله ورذائله . لكل مجتمع اخلاقه.
المشاركات الشائعة
-
يتمركزون فى جنوب سيناء.. وينتشرون فى الشرقية والقليوبية والقاهرة وسوهاج وأسيوط وقنا قبيلة الحويطات واحدة من قبائل جنوب سيناء، تشتهر فى ...
-
25 يناير 2011 يوم حافل في تاريخ مصر انطلقنا جميعا نرددها عاليه مدوية الشعب ....يريد .... اسقاط النظام ما شاهدته اليوم سلسلة من المفاج...
-
أمة بلا نقد أمه عمياء هي جزء من مقولة الكاتب المكسيكي الحائز على جائزة نوبل ( كتافيو باث ) الذي أكد على أن أمة بلا نقد هي أمه عمياء ، ...
-
إن ضرورة المضمون الاخلاقي في أية حركة سياسية لا تعني اصطناع نماذج خلقية لا جذور لها في المجتمعات التي تعيش فيها . تلك مثالية عقيمة . ولكن ...
-
أهلا بكم في مدونتي الخاصه مرحبا بكم في عالم بلا حدود عالم اتمني ان تشاركوني فيه راسما ملامحه بكم
-
قرار قيادة الإخوان ـ مع كامل الاحترام لشخوصها ـ بالمشاركة في انتخابات النظام المصري عار أخلاقي وسياسي، وخطأ تراجيدي بحق الشعب المصري، وبحق...
-
استمعت بالأمس في نقابة الصحفيين وفي حضور جمع غفير الي الأستاذ إبراهيم عيسي وهو يشرح أبعاد ما حدث في الدستور مشيرا في حوار كوميدي لذيذ الي ...
-
أن يتــعلم أن يستــمع لكل راي ويحــترمه وليــس بالضــروره ان يقتنــع به أن يتــعلم أن يبكــي فالبكــاء راحه للنفــوس شرط أن يمســح دم...
-
عندما صدر الميثاق موضحا عمق التجربة الثورية التي مر بها الشعب المصري وتمكنه بصدقه الثوري وارادته العنيدة من أن يغير حياته تغييرا عميقا في...
-
استمعت بالأمس في نقابة الصحفيين وفي حضور جمع غفير الي الأستاذ إبراهيم عيسي وهو يشرح أبعاد ما حدث في الدستور مشيرا في حوار كوميدي لذيذ الي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق